MP/ زينب أبوعبد الله
أثار المستشار البرلماني يحفظه بن مبارك نقاشا دستوريا ومؤسساتيا بشأن الطريقة التي اعتمدتها الحكومة الجديدة في المصادقة على مشروع قانون المالية وإحالته على البرلمان، معتبرا أن توقيت هذه الخطوة يطرح إشكالات تتجاوز مجرد احترام الآجال القانونية، لتلامس حدود الصلاحيات الدستورية للحكومة قبل استكمال مسطرة تنصيبها والحصول على ثقة مجلس النواب.
وفي نقطة نظام استند فيها إلى المادة 167 من النظام الداخلي لمجلس النواب، والمتعلقة باحترام النظام الداخلي وأحكام الدستور، توقف يحفظه بن مبارك عند إحالة مشروع قانون المالية يوم 20 أكتوبر، قبل استكمال التنصيب البرلماني للحكومة يوم 22 أكتوبر، متسائلا عن الأساس القانوني الذي استندت إليه السلطة التنفيذية لاتخاذ قرار بهذه الأهمية خلال مرحلة لم تكن قد استكملت فيها بعد شرعيتها البرلمانية.
ووضع المستشار البرلماني الحركي هذه الخطوة في سياق التساؤل عن مدى احترام الفصل 88 من الدستور، الذي يربط تنصيب الحكومة بحصولها على ثقة مجلس النواب، مستحضرا كذلك مقتضيات القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، ولا سيما المادتين 37 و38، اللتين تؤطران طبيعة المهام والاختصاصات الموكولة للحكومة قبل تنصيبها.
وفي صلب هذه المساءلة، برزت إشكالية التوفيق بين الأجل القانوني المحدد لإيداع مشروع قانون المالية، وفق المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية، وبين ضرورة احترام الضوابط الدستورية المنظمة لممارسة السلطة التنفيذية لاختصاصاتها. إذ تساءل بن مبارك عما إذا كان احترام موعد 20 أكتوبر يمكن أن يتحول إلى مبرر لتجاوز مقتضيات دستورية وتنظيمية أخرى، مؤكداً أن احترام الآجال لا ينبغي أن يكون على حساب احترام الدستور.
وتكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة مشروع قانون المالية، باعتباره وثيقة تؤطر الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة وتحدد أولوياتها المالية، وهو ما يفرض أن تمر مختلف مراحل إعداده والمصادقة عليه وإحالته في إطار من الوضوح القانوني والانسجام المؤسساتي، بعيدا عن أي لبس بشأن الاختصاصات والصلاحيات.
ولم تتوقف ملاحظات يحفظه بن مبارك عند توقيت المصادقة والإحالة، بل امتدت إلى مسألة تأخر تمكين الفرق والمجموعات البرلمانية من نسخ المشروع. فقد كشف أن النواب لم يتوصلوا بالوثيقة إلا مساء الجمعة 23 أكتوبر، رغم إيداعها رسميا لدى مجلس النواب يوم الثلاثاء السابق، وهو ما أثار تساؤلات إضافية حول ظروف تدبير المسطرة التشريعية والوقت المتاح أمام المؤسسة التشريعية لدراسة مشروع بهذا الحجم والأهمية.
واعتبر أن هذا التأخر لا يتعلق بمجرد إجراء إداري، بل يمس شروط الممارسة البرلمانية وحق ممثلي الأمة في الاطلاع المسبق والكافي على مضامين المشروع، وإعداد ملاحظاتهم ومقترحاتهم بشأنه. كما طرح إشكالية الزمن التشريعي الذي ضاع، متسائلاً عن الكيفية التي ستعوض بها الحكومة هذه الأيام، بما يضمن للفرق البرلمانية ممارسة أدوارها في التشريع والمراقبة على أساس دراسة متأنية ومسؤولة.
ومن هذا المنطلق، طالب يحفظه بن مبارك الحكومة بتقديم توضيحات صريحة بشأن السند القانوني والدستوري الذي اعتمدته في المصادقة على مشروع قانون المالية وإحالته قبل استكمال التنصيب البرلماني، كما دعا إلى تفسير أسباب التأخر في توزيع نسخه على الفرق والمجموعات، بما يرفع اللبس المحيط بهذه المسطرة ويضمن احترام حقوق المؤسسة التشريعية.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة النقاش حول التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحدود الاختصاصات التي يمارسها كل طرف وفق الهندسة الدستورية للمملكة. فالبرلمان ليس مجرد محطة لاستقبال المشاريع الحكومية، ولا فضاء لاستكمال إجراءات شكلية، بل مؤسسة دستورية تضطلع بمهام التشريع والمراقبة والمساءلة، وتحتاج إلى ضمانات فعلية لممارسة اختصاصاتها.
كما أن احترام الدستور لا يقاس فقط بالنتائج النهائية للمساطر، وإنما يبدأ من احترام شروط اتخاذ القرار وتوقيته والجهة المخول لها دستوريا ممارسته، ومن ثم، فإن إثارة هذه الإشكالات تفتح النقاش حول ضرورة ترسيخ ممارسة مؤسساتية واضحة، تجعل احترام الاختصاصات والآجال والحقوق البرلمانية التزامامتكاملا لا مجال فيه للانتقائية.
فالرسالة الأساسية التي حملتها نقطة النظام التي أثارها يحفظه بن مبارك تتمثل في أن احترام الدستور لا يقبل منطق الاستثناء تحت ضغط الآجال، وأن سرعة إيداع مشروع قانون المالية لا يمكن أن تكون بديلا عن سلامة مساره المؤسساتي، مبرزا أن الحكومة مطالبة بتوضيح الأسس القانونية لخطواتها، والبرلمان من حقه أن يمارس اختصاصاته كاملة، دون أن يجد نفسه أمام أمر واقع تفرضه السرعة على حساب النقاش والتدقيق والمراقبة.

