MP/ صليحة بجراف
وضعت رئيسة الفريق الحركي بمجلس النواب، ريم شباط، البرنامج الحكومي أمام اختبار المصداقية، معتبرة أن ما قدمته رئيسة الحكومة لا يرقى إلى مستوى برنامج متكامل يستجيب لانتظارات المغاربة، بقدر ما يشبه إعلان نوايا مطعما بخطاب سياسي كلاسيكي، تتصدره الوعود وتتوارى خلفه النتائج.
فالحكومة، بحسب الانتقادات التي وجهتها شباط، تبدو وكأنها أتقنت فن الحديث عن المستقبل، لكنها ما تزال مطالبة بإقناع المغاربة بأن هذا المستقبل لن يظل مؤجلا إلى أجل غير مسمى.
وانطلاقا من الفصل 88 من الدستور، طرحت المتحدثة خلال جلسة عامة بمجلس النواب خصصت لمناقشة البرنامج الحكومي، اليوم الخميس، السؤال الجوهري الذي يفترض أن يجيب عنه كل برنامج حكومي يحترم ذكاء المواطنين، أين هي الالتزامات الدقيقة، وأين الإجراءات العملية والآجال المحددة التي تسمح للمغاربة بمعرفة ما الذي ستفعله الحكومة، ومتى ستفعله، وكيف ستحاسب على تنفيذه؟، قائلة بدلا من تقديم أجوبة واضحة عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية، وجد المواطن نفسه أمام قاموس سياسي مألوف، تتكرر فيه عبارات “سنسعى إلى” و”سنعمل على” و”سنوفر” و”سنخصص”، وكأن المطلوب منه أن يتعلم تصريف الأفعال في المستقبل، بينما تظل مشكلاته اليومية حاضرة بقوة في زمن لا ينتظر أحدا.
وبنبرة ساخرة، اختصرت رئيسة الفريق الحركي موقفها من البرنامج بقولها: “نشكركم على نجاحكم المبهر في تشخيص وإعلان النوايا، في انتظار الالتزام بتنزيل هذه النوايا الحسنة على أرض الواقع”، وهي عبارة تختزل مفارقة السياسة حين تتحول الوعود إلى إنجاز قائم بذاته، ويصبح الإعلان عن النية بديلا عن تقديم الحصيلة، فالمواطن لا يستطيع أداء فواتيره بعبارة “سنعمل على”، ولا يمكنه أن يطمئن على مستقبله بمجرد سماع أن الحكومة ستخصص وستوفر وستسعى، ما دام السؤال الذي ينتظر الإجابة هو، ماذا تحقق فعلا؟.
وإذا كان عنوان المرحلة هو “تغيير المسار”، وفق تعبير شباط، التي اختارت أن تضع هذا الشعار أمام مرآة الواقع، مستحضرة استمرار عدد من الأحزاب وأعضاء الحكومة السابقة ضمن التشكيلة الحالية، ومثيرة تساؤلات حول مدى تحقق التغيير المعلن، متسائلة هل يكفي تغيير عنوان المرحلة حتى نقتنع بأن السياسات تغيرت، وهل تصبح الرحلة جديدة لمجرد أن اللافتة على الحافلة تبدلت، بينما بقي بعض الركاب والسائقين في أماكنهم،في إشارة إلى الحكوم التي احتفظت ب40 في المائ من وزراء سابقين، وظلت المحطات نفسها تنتظر الوصول إليها، مبرزة أن تغيير الأسماء والشعارات لا يشكل في حد ذاته دليلا على تغيير الأداء، كما أن تجديد الخطاب لا يعفي المسؤولين من تقديم حصيلة ملموسة تبرر الاستمرار في مواقع المسؤولية.
وانتقلت المتحدثة إلى واقع التدبير، قائلة لا تكفي البلاغة السياسية لتوفير الماء، ولا تستطيع الشعارات إصلاح الطرق أو ضمان خدمات نقل تستجيب لانتظارات المواطنين، مستحضرة الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب، بفاس.
كما فتحت ملفات التجهيز والطرق السيارة والنقل السككي والطرقي والجوي، التي كان يشرف عليها نفس الوزير لتزيد له الغابات في اشارة إلى نقدها لحصيلة عمل الوزير نزار بركة، مسجلة أن هذه ملفات تجعل السؤال عن النتائج أكثر إلحاحا من السؤال عن النوايا، مسجلة أن المواطن لا يقيس أداء الحكومة بعدد المشاريع التي تتضمنها عروضها، بل بمدى انعكاس تلك المشاريع على حياته اليومية، مضيفة:”ما جدوى الحديث عن الإصلاح إذا ظلت الاختلالات نفسها تعود إلى الواجهة، وما قيمة الخطط إذا كان المواطن لا يزال يواجه المشكلات ذاتها، وهل أصبح المطلوب منه أن يصفق لكل إعلان جديد، ثم ينتظر إعلانا آخر يفسر له لماذا تأخر الإعلان السابق عن التحول إلى واقع” .
وفي قطاع الصحة، انتقدت شباط اختيار وزير قادم من القطاع الخاص، معبرة عن مخاوفها من توجه قد يعزز خوصصة الخدمات الصحية، ومشددة على ضرورة تقوية المستشفى العمومي وضمان حق المواطنين في العلاج، وهو نقاش يتجاوز هوية المسؤول إلى طبيعة الاختيارات التي ستعتمدها الحكومة لضمان الولوج العادل إلى العلاج، وحماية المرفق العمومي، وتحسين جودة الخدمات، مسجلة أن الإصلاح الصحي لا يتحقق بتغيير المسؤولين أو إطلاق التصريحات، وإنما بقدرة المواطن على الحصول على العلاج في ظروف تحفظ كرامته، من دون أن يتحول المرض إلى امتحان إضافي للقدرة الشرائية.
وبخصوص ملف تضارب المصالح فقد اعتبرت رئيسة الفريق الحركي أن محاربة هذه الظاهرة لا يمكن أن تبقى مجرد شعار جذاب في البرنامج الحكومي، بينما تستمر الأسئلة السياسية المرتبطة بالصفقات العمومية والدعم العمومي وتداخل المصالح، مؤكدة أن الشفافية لا تكون انتقائية، والمحاسبة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الشعارات.
وفي سياق ذي صلة، خاطبت رئيسة الحكومة قائلة “نقي غير جانبك، عاد نشوفو جوايه أخرى”، في إشار إلى أن المصداقية لا تبنى بتوزيع النصائح، ولا باحتكار موقع الواعظ، وإنما بالقدرة على إخضاع الممارسة نفسها لمعايير الشفافية والمساءلة،و محذرة من عودة “صاك طنجة” من الأرشيف لقلب حفلة الشعارات إلى محاكمة سياسية .
وفي السياق نفسه، أعادت المتحدثة إثارة ملفات سبق أن حضرت في النقاش السياسي والإعلامي، من بينها ما عرف إعلاميا ب«صاك طنجة»، في تذكير بأن الذاكرة السياسية للمغاربة لا تمحى بمجرد الانتقال إلى موضوع آخر.
كما انتقدت شباط تعامل رئيسة الحكومة مع إعفاء الوزيرة ماديحة الخيير، معتبرة أن تدبير مثل هذه القرارات يستوجب مراعاة الاعتبارات المؤسساتية والإنسانية.
وبين الماء والصحة والنقل والمحروقات والجهات والأمازيغية.. وتضارب المصالح والملفات التي لا تزال حاضرة في الذاكرة العامة، بدت الرسالة التي وجهتها رئيسة الفريق الحركي واضحة، مؤكدة أن المعارضة، ليست مطالبة بمنح الحكومة شيكا على بياض، ولا بتحويل البرلمان إلى منصة للتصفيق للوعود، وإنما بمراقبة الأداء واقتراح البدائل والمساهمة في التشريع، بما يجعل المحاسبة جزءا من العمل المؤسساتي لا مجرد سجال عابر بين الأغلبية والمعارضة.

