أفاد بلاغ صادر عن الأمانة العامة لحزب الحركة الشعبية يجمل توقيع محمد أوزين الأمين العام أن الحزب ينابع، بالانشغال والقلق، موجة النزوح الجماعي الجديد الذي أقدم عليه عدد من الشباب المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة، في مشاهد مؤلمة وصادمة تعيد إلى الأذهان نازلتي ماي 2021 وشتنبر 2024 ولكن هذه المرة بصورة جديدة تخللتها هجرة جماعية لمجموعة من الأسر كما تنوع الأجيال.
وفي هذا الإطار، يعتبر الحزب أن هذا النزيف المجتمعي المخيف، وبغض النظر عن سياقاته وحيثياته المحتملة، هو نتيجة مباشرة لتراكمات اقتصادية واجتماعية وتنموية عمقتها السياسات الحكومية، بعد خمس سنوات اتسمت بارتفاع معدل البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعثر ورش التشغيل، وضعف الأثر الفعلي لبرامج الحماية الاجتماعية، الأمر الذي أفرغ العديد من الوعود الحكومية من مضمونها.
وانطلاقا من مسؤوليته الوطنية، يعتبر حزب الحركة الشعبية أن الرسالة التي حملتها أحداث الفنيدق وبني أنصار تستدعي مراجعة شاملة للاختيارات العمومية، وإطلاق تعاقد مجتمعي جديد يعيد الثقة للمواطن، ويجعل كرامته في صلب السياسات العمومية، ويؤسس لدولة اجتماعية حقيقية، قوامها العدالة المجالية، وتكافؤ الفرص، والحكامة الجيدة، والكفاءة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويحمل الحزب الحكومة المسؤولية السياسية كاملة عن تفاقم هذه المؤشرات، في ظل استمرار البطالة والغلاء، واتساع مظاهر الاحتكار والريع وتضارب المصالح، وضعف نجاعة الإنفاق والدعم العمومي، بما عمق الإحساس بالإقصاء وفقدان الأمل لدى فئات مجتمعية واسعة، خاصة الشباب.
وتعتبر الحركة الشعبية بأن ما حدث يستدعي وقفة وطنية حازمة بغية تشخيص جماعي مسؤول لمكامن الخلل من أجل بناء أفق جديد يقدم أجوبة مقنعة وواضحة المعالم عن التحديات المجتمعية المتراكمة برهاناتها الحقوقية والرقمية والجيلية والترابية، وذلك عبر مدخل مؤسساتي مبني على أساس الخيار الديمقراطي وقواعد التنافس الشريف والهادف، وعلى مرتكزات الحكامة الجيدة والكفاءة ، وعلى إفراز مؤسسات منتخبة تجمع الخبرة بالرؤية السياسية وفي مستوى السقف الدستوري الجديد وذات قدرة على إنتاج سياسات عمومية وترابية تستلهم العمق الاستراتيجي للسياسات العامة للدولة بأسسها المرجعية وتوجهاتها الإستراتيجية التي عبدت لها الرؤية الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله على مدى أزيد من ربع قرن وبخيط ناظم متواصل الإطار والمسار والأهداف .
كما يجدد الحزب التأكيد على أنه نبه، منذ بداية هذه الولاية، إلى مخاطر تحويل الحق الدستوري في الشغل إلى برامج ظرفية محدودة الأثر، وإلى تعثر إصلاح منظومة التربية والتكوين، وإضعاف ورش الجهوية المتقدمة، وتراجع الحوار الاجتماعي، محذرا من أن استمرار هذه الاختلالات من شأنه أن يوسع دائرة الاحتقان ويضعف الثقة في الوساطة المؤسساتية.
كما يعيد الحزب التذكير بالمسؤولية السياسية للحكومة عن مختلف الأزمات المتحولة، في ظل محدودية وضعف عروضها وبرامجها أمام شبح البطالة التي بلغت أسقفا غير مسبوقة و استقرت في معدل ومؤشر خطير تعدى 13% بشهادة تقارير بنك المغرب ومختلف المؤسسات المختصة، وفي ظل وقوفها مكتوفة الأيدي أمام موجات التضخم التراكمي والغلاء الشامل لكل السلع والخدمات والمواد الغذائية، في مقابل اختيارات حكومية رسخت زواج المصالح وعمقت التطبيع التدريجي مع الفساد والاحتكار ونشر سلوكات الزبونية والحزبية الضيقة وضرب مبادئ تكافؤ الفرص والإنصاف في توجيه مختلف أشكال الدعم العمومي والقطاعي الذي بلغ ذروته في عهد هذه الحكومة دون نجاعة ولا ترتيب الأثر ودون ربط للمسؤولية بالمحاسبة.
كما نعيد أيضا تحذير التحالف الحكومي من الاستقواء العددي بأغلبيات عابرة وطنيا وترابيا للتضييق على الحقوق المهنية والاجتماعية لفئات عريضة من المجتمع ولفرملة خيار الجهوية المتقدمة والموسعة ببعدها التنموي الترابي المنصف والعادل والمبادر، وكل ذلك بعجز بنيوي، في الرؤية والحكامة، عن تقليص الفجوات الاجتماعية والمجالية والرقمية والجيلية وإرساء حوار مجتمعي حقيقي ومنتج يستوعب مختلف الديناميات المجتمعية المحتجة ويغلق المنافذ أمام القطاع السياسي غير المهيكل وأمام زراعة بذور الاحتقان ونشر خطاب التيئيس والتشويش على المكاسب والمنجزات الكبرى التي تحققها بلادنا في ضوء نموذج تنموي جديد طموح يتقاسم فيه كل المغاربة ثمار التنمية والنمو بعدالة وإنصاف ويقوم على تقويم الاعطاب وتصحيح مسار تدبير الشأن العام وتحصين عملة الاستقرار والسلم الاجتماعية المميز لبلادنا إقليميا وجهويا ودوليا .
وفي المقابل، ينوه حزب الحركة الشعبية بما أبانت عنه القوات العمومية ومختلف الأجهزة الأمنية والسلطات الترابية من حكمة عالية وانضباط واحترافية في تدبير هذه الأحداث، بما جنب بلادنا أي انزلاق، وجسد حرص الدولة على حماية الأرواح وصيانة الأمن العام.
كما يعرب عن تعازيه الحارة إلى أهالي الضحايا الذين قضوا غرقا في هذه المغامرة غير محسوبة العواقب، مع التضرع إلى العلي القدير أن يشملهم بواسع الرحمة والمغفرة.
ختاما، وإذ يجدد الحزب تشبثه الراسخ بثوابت الأمة ومقدساتها، وإيمانه بأن الإصلاح الحقيقي يمر عبر المؤسسات والاختيار الديمقراطي، فإنه يدعو إلى جعل الاستحقاقات المقبلة محطة وطنية مؤسسة لتعاقد مجتمعي جديد، بما يعيد الاعتبار للعمل السياسي الجاد، ويحصن الاقتصاد الوطني من الريع والاحتكار، ويوجه السياسات العمومية نحو الاستثمار في الإنسان، وتمكين الشباب، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، حتى يستعيد المواطن ثقته في مؤسسات بلاده، ويجد في وطنه أفقا للأمل والكرامة والتنمية.
كما يعرب الحزب عن قناعاته الراسخة بإن المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وبما يمتلكه من المقومات والإمكانات قادر على تخطي وتجاوز مختلف التحديات، شريطة انتقال تدبير الشأن العام بمختلف مستوياته المركزية والمجالية إلى مرحلة الإصلاح الحقيقي القائم على الجرأة السياسية، والإنصاف المجالي، والنجاعة الاقتصادية، وصون كرامة المواطن باعتبارها أساس كل نموذج تنموي ناجح.

