Skip links

من يغتال الصحافة اليوم؟

بقلم / محمد أوزين(*)
ترددت كثيرا قبل تقاسم هذه السطور لاعتبارات ثلاثة:
أولا: أحيانا وكما تقول الحكمة غلب الصمت الكلام لأن ما وضع من الكلام لا يحتاج إلى بيان.
ثانيا: حرمة الشهر الفضيل ليست فقط إمساكا عن الشهوات، بل أيضا ترفعا عن الترهات.
ثالثا: هناك قضايا وأولويات أحق بالمعالجة بدل الانحدار إلى التفاهات.
لكن الرغبة في دحض الكثير من البطلان والتضليل كانت لها الكلمة الفصل لصد المغالطات.
لم يكن ‘مايسترو الإعلام’ في خرجاته الأخيرة مجرد إعلامي يذرف دموع “التماسيح المهنية”، بل كان يؤدي دور “الحكواتي” الذي يحاول تحويل معركة قانونية مقدسة إلى دراما اجتماعية بئيسة.
أن يربط بين “قدسية الدستور” وبين “خبز الشباب” هو ضرب من “الابتزاز العاطفي” الذي يهدف إلى مقايضة الحق بالصدقة. فمن هم هؤلاء “المتصارعين” الذين يلوح بهم كفزاعة في وجهنا؟ هل أصبح الدفاع عن المؤسسات “صراعاً” عبثياً في نظر سدنة الريع الإعلامي؟
​إن “الصراع” الحقيقي الذي يتهرب منه “المايسترو” ليس بين المحكمة الدستورية وبين مشروع قانون، بل هو الصراع بين إرادة التحرر المهني وبين عقلية “الزاوية” التي تريد تحويل الصحافيين الشباب إلى مريدين يقتاتون على فتات البطائق والامتيازات العابرة.
الضحية هنا ليست “البطاقة المهنية” التي سقطت في فخ اللادستورية، بل هو ذلك الصحافي الشاب الذي يُراد له أن يظل “رهينة” في قاعة انتظار “الوزيعة”. إنه لا يدافع عن مستقبل الشباب، بل يحاول ترميم “الصنم” التي بدأ يتهاوى تحت مطرقة القانون؛ فالأزمة ليست في النصوص، بل في “النفوس” التي ألفت الاستعلاء على الدستور بمنطق “أنا أو الطوفان”.
ولأنه عريض الوساد ولا يصغي سوى للأنا المتضخمة، أخفق المايسترو، كعادته، في طرح السؤال. فبدل التساؤل عمن يسعى إلى اغتيال مهنة المتاعب في المغرب، اختار مرة أخرى النهل من محبرة المجازفة التي لا يتقن سواها، من أجل التباكي على إحباط مناورة تمرير قوانين تنفذ الإعدام في حق الصحافة المغربية.
أي انفصام هذا يعيشه هذا الكائن المثير، الذي تفوق على السفسطائيين في مهاجمة فكرة والدفاع عن نقيضها في الوقت نفسه؟ حتى الضحك على الذقون له حدود. وحتى الذكاء له حدود، فقط الحماقة لا حدود لها وأعيت من يداويها.
فيا للعجب خارج رجب! يرحب بقرار المحكمة الدستورية، ثم يهاجم الجهات التي رفعت قانون المجلس الوطني للصحافة إلى أنظار المحكمة ذاتها. فهو يشكر الطبيب على بتر الورم، ويلعن الإسعافي على جلب المريض إلى الطبيب.
ولعل أكثر التعليقات ذلاقة وأدقها بلاغة وأغلبها طرافة بخصوص “المقال” الذي حمل توقيعه تحت عنوان “من يغامر بمستقبل الصحافة المغربية؟” ما نشره صحافي على حائطه الفيسبوكي ساخرا: “سؤال تحته الجواب بالاسم والصورة والصفة. تماما كمن يسرق الكعكة ويسأل الناس “من سرق الكعكة؟” بينما الفتات يملأ لحيته والصحن بين يديه”.
فما نشهده اليوم من انحدار قيمي تقوده “صحافة ” الفضائح ليس مجرد سقطات مهنية عابرة، بل هو طعنات مسمومة في ظهر ‘تمغربيت’ الأصيلة التي قامت منذ الأزل على الحياء والشهامة وحرمة البيوت. هؤلاء الذين جعلوا من “أعراض الناس” بضاعة ومن “التشهير”رأسمالا. يبيعون وهم الإخبار ليقبضوا ثمن الفضيحة ضاربين عرض الحائط بتماسكنا المجتمعي وقيمنا المغربية التي لا تقبل المساومة. إنهم يحاولون استنبات “طفيليات” دخيلة على تربتنا الوطنية، وتزيين القبح في عيون الأجيال الصاعدة، متناسين أن شجرة ‘تمغربيت’ الوارفة لا تقتات على مياه الصرف الصحي للإشاعة والرذيلة. فمن يراهن على تدمير الذوق العام وإفساد الأخلاق مقابل ‘دريهمات’ الدعم، هو واهم، لأن المناعة المغربية كفيلة بلفظ كل جسم غريب يحاول تسميم العقل الجمعي، ولأن الصحافة الحقيقية هي التي تكون مرآة للرقي لا مستنقعاً للرداءة، وتلك معركة قيم لن نتراجع عن خوضها ولن نكل ولن نمل من التصدي لكل من يريد تقويضها.
فعلا كان جواب “المايسترو” على السؤال الذي طرحه في عنوان “المقال” بمثابة اعتراف لا شعوري بمسؤوليته عما آلت إليه أوضاع الصحافة بالمغرب من ترد، بسبب نشر مواد التفاهة والإثارة والتشهير وضرب القيم، كما عاينا من خلال إطلالاته “الإباحية” الأخيرة التي لم تشفع لها حتى حرمة الشهر الفضيل. بين كاميرا رديئة، ظاهرة كانت أم خفية، كادت أن تتحول إلى مأساة درامية، وبين مقابلة زوجية نشر فيها غسيل بيت بدون غاية ولا مغزى اللهم التشفي وتكريس السفاهة وبكل مجانية مدفوعة الثمن.
ولأن صدمته كانت مدوية بعد إجهاض مخططه في “فرقشة الإعلام”، اختار التضليل والكذب على الأحياء، حين زعم أن “جمعيته” كانت وراء زيادة 1000 درهم في أجور بعض الصحافيين، في حين يعلم الجميع أن الأجور تؤدى من طرف خزينة الدولة منذ جائحة كوفيد 19، وهو ما يطرح أكثر من تساؤل عن مصير الدعم الذي كان يتلقاه من أموال دافعي الضرائب وكذا المداخيل السخية للإشهارات التي خوصصها لفائدته وأصبح الموزع الراعي لها بدون وجه حق، اللهم تطويع المنابر الحرة وذر الفتات عليها أو حرمانها كليا بنزوة عابرة، وهو الذي يفاوض المؤسسات باسمها ويقدم نفسه المخاطب الوحيد لها، وهذه قضية أخرى لنا عودة إليها.
فكيف له ان يتبجح ب “إنجاز” ليس من صنعه، ونسي فضائحه التي ساقتها تسريبات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وهي تشهر أجور “السميك” التي خص بها صحافيين شباب يشتغلون، او بالأحرى يستغلون، ليل نهار دون رحمة ولا شفقة. وإذا أراد ان ننعش ذاكرته، نوافيه بما يشفي تنطعه.
الغريب أن “المايسترو”، وفي إطلالته المثيرة، حن قلبه فجأة على الصحافيين الشباب واغرورقت عيناه لحالهم ورث شعوره لأوضاعهم، فخرج يذكر المحكمة الدستورية ضمنيا، كونها السلطة التي اقرت لا دستورية مشروع القانون، وبأن قرارها ستكون كلفته الاجتماعية ليس على المتصارعين بل على الصحافيين البسطاء. وهنا عُقِلَ لساني وأقر انني عاجز تمام العجز عن مجاراته في هذا الهذيان.
استشاط “المايسترو” غضبا وهدد أنه لن يسدد فلسا واحدا لطاقمه الصحفي خارج الدعم العمومي، أي خارج ضرائب المغاربة الذي يعمل على التشهير بهم. وهنا تنكشف القصة ليحمل لقبا مرتبطا ب ” تفراقشيت” عن جدارة واستحقاق: إنه ليس إلا “وسيطا” بين الحكومة وطاقمه الصحفي وليس صاحب أكبر مقاولة إعلامية كما يدعي.
للإشارة نحن لسنا ضد دعم صحافة رصينة مهنية ومسؤولة. نحن معها، إلى جانبها، وسنرافع من أجلها.
وأخيرا وليس آخراً، فإن المعركة اليوم ليست مجرد صراع حول فصول قانونية أو بطائق مهنية، بل هي معركة وجود بين “صحافة الرسالة” التي تبني الوعي وتصون الحرمات، وبين “صحافة المقاولة التشهيرية” التي تقتات على الفضائح وتبيع أخلاق المغاربة في سوق المزايدات.
لقد سقط القناع، وانكشف زيف من يدعي الوصاية على المهنة وهو أول من يغتال قيمها. فليعلم هذا أن ‘تمغربيت’ ليست شعاراً يُرفع، بل هي حصن منيع من القيم والأخلاق لا تكسره أمواج الرداءة ولا عواصف التدليس. إن زمن الاستقواء بالمال السائب لتركيع الضمائر قد ولى، والقطار الذي ركبه “مايسترو الإعلام”يسرع به نحو محطة العزلة التاريخية. سنبقى صامدين في وجه هذا المسخ القيمي، منتصرين لصحافة حرة، نزيهة، ومسؤولة، لأن المغرب يستحق إعلاماً يشبه كبرياء شعبه، لا إعلاماً يقتات على فتات الموائد وضجيج التفاهة.
فالحقيقة لا تموت، والربيع قادم لا محالة. يمكنك أن تدوس الأزهار لكنك لن تؤخر مجيء الربيع. وعندما تركب القطار الخطأ حاول أن تنزل في أول محطة. لأنه كلما زادت المسافة زادت تكلفة العودة. وهذا قول للروائي الروسي دوستويفسكي.
(يتبع)
(*) الأمين العام لحزب الحركة الشعبية

Leave a comment