في حوار ل” يومية الأخبار”.. العنصر: العدالة والتنمية ينتهج سياسة ليبرالية داخل الحكومة

أكد أن الإنتخابات ستجرى في وقتها المحد د سنة 2021

حزب الحركة الشعبية يطالب بمراجعة نمط الإقتراع باللائحة وإجراء الإنتخابات في يوم واحد

حاوره: محمد_اليوبي

يعتبر امحند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، أقدم أمين عام سياسي بالمغرب، بعدما قضى 34 سنة على رأس الحزب، وتقلد عدة مناصب حكومية. من خلال هذا الحوار الذي أجرته معه «الأخبار»، يكشف العنصر عن كواليس المشاورات الجارية بين وزير الداخلية وزعماء الأحزاب السياسية حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، كما يستعرض شروط الحزب لتشكيل تحالفاته المستقبلية، بالإضافة إلى وضعية البيت الداخلي للأغلبية الحكومية، وكذلك موقفه من عدة قضايا وعلى رأسها تنزيل ترسيم اللغة والثقافة الأمازيغية، وتقييم تجربة أول مجالس للجهات بصيغتها الجديدة، باعتباره رئيسا لجمعية رؤساء جهات المغرب، كما أعلن العنصر من خلال هذا الحوار عن قراره بخصوص الاستمرار في كرسي زعامة الحزب لولاية أخرى.

رسم الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش خارطة الطريق لمرحلة ما بعد كورونا، كيف تفاعلتم في الحركة الشعبية مع مضامين الخطاب؟

الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش كان خطابا دسما، وكان فيه الإعلان عن إجراءات ملموسة ومحددة كميا وزمنيا، بالطبع ذكر جلالة الملك بفترة الجائحة التي عشناها وما زلنا نعيشها، والإجراءات التي اتخذت لمواجهتها، وهنا لا بد من التنويه بالمبادرات التي قام بها جلالة الملك سواء من ناحية الاستباقية أو الفعالية، والتي في الحقيقة رغم ما نلاحظه الآن فقد جنبت المغرب العديد من الكوارث.

جلالة الملك لم يبق منحسرا في فترة الجائحة وتداعياتها، لكن وضع المقود لمرحلة ما بعد كورونا، وهي مرحلة أخطر مما عشناه خلال الجائحة، بسبب التأثيرات والأضرار التي تعرض لها الاقتصاد الوطني، وكذلك الوضعية الاجتماعية، لأن هناك عدة فئات تضررت، ولذلك استخلص جلالة الملك بسرعة الدروس من الجائحة، وهما في الحقيقة درسان أساسيان، أولا لا بد من إعادة الإقلاع الاقتصادي، ربما من الصعب خلال سنة واحدة، ولكن لا بد من التحضير لهذه العودة بمصاحبة المقاولات، هذا جعل الملك يعلن عن إجراء قوي يتجلى في تخصيص مبلغ 120 مليار درهم لمساعدة المقاولات، وثانيا، النهوض بالوضع الاجتماعي، خاصة أننا اكتشفنا جميعا، خلال فترة الأزمة، أن كل ما كنا نتصوره أقل بكثير من الحقيقة، عندما كنا نتحدث عن الاقتصاد غير المهيكل، كنا نتحدث عن 15 أو 20 إلى30 في المائة في أقصى الحالات، فتبين أن حوالي خمسة ملايين أسرة تعيش من القطاع غير المهيكل وتضررت من الجائحة، إذن أولوية أولويات أصبحت اجتماعية، ولا بد من توفير حد أدنى من مستوى الرعاية الاجتماعية والحقوق، وهذا ما جعل جلالة الملك يتخذ قرارا قويا بتوفير الرعاية الاجتماعية لجميع المغاربة وحدد أجلا زمنيا في ظرف خمس سنوات، وهذه التوجيهات لا بد من الشروع في تطبيقها، بالإضافة إلى إعادة إصلاح القطاع العام، لأنه تبين خلال الجائحة أنه كان حاضرا وموجودا، لذلك لا بد من دعم فعاليته وإعادة النظر في العديد من الأمور، فقد كان خطابا قويا ووضع أمام المقررين جميع آليات الاشتغال.

قبل الخطاب الملكي تقدمتم بمذكرة تتضمن مقترحاتكم لمرحلة ما بعد كورونا، كيف تعاملت الحكومة مع هذه المذكرة؟

صحيح، والحمد لله، أننا قدمنا العديد من المقترحات في الإجراءات المتخذة من طرف الحكومة حاليا، ومنها إعادة النظر في قانون المالية، لمراجعة التوقعات والفرضيات، كما طالبنا باستدامة الصندوق الخاص بتدبير جائحة كورونا، الذي وصلت مداخيله لأزيد من 33 مليار درهم، واقترحنا آليات لاستمرار الدعم الاجتماعي، وطالبنا بتوحيد جميع صناديق الدعم الاجتماعي، لأن هناك العديد من الصناديق تشتغل على نفس الأهداف، وهذا الصندوق أبان عن إمكانية أن يكون فكرة ممتازة لهذا التجميع، وخصوصا اليوم مع إخراج السجل الاجتماعي، بطبيعة الحال اقترحنا الأخذ بيد المقاولات وخصوصا القطاعات المتضررة، ومنها السياحة والنقل والصناعة التقليدية وغير ذلك، كما طالبنا أيضا بضرورة دعم العالم القروي، وهذه من دروس الجائحة، لا يمكن أن نستمر في التعامل مع العالم القروي بمنطق الإطفائيين لا نتدخل إلا عندما تشتعل الحرائق لإخمادها، إذا أردنا حقيقة تقليص الفوارق والمشاكل الاجتماعية لابد من إعطاء عناية كبرى للعالم القروي، ويجب أن تتوفر إرادة قوية، لأن المغرب لا يمكن أن يستمر إلا إذا كان يمشى على رجليه.

مؤخرا، انطلقت المشاورات بين وزير الداخلية وزعماء الأحزاب السياسية حول التحضير للانتخابات المقبلة، كيف كانت أجواء هذه المشاورات؟

أولا، هذا تقليد عادي، نعمل به منذ سنوات، عند اقتراب كل محطة انتخابية لا بد أن تكون مشاورات مع الأحزاب السياسية والنقابات لمعرفة هل هناك من تعديلات مقترحة على القوانين التي تؤطر العملية الانتخابية، وبطبيعة الحال انطلق مسلسل المشاورات قبل أزمة كورونا، بعقد اجتماع بين رئيس الحكومة وزعماء الأحزاب السياسية، وتم الاتفاق على عقد جولة أخرى للتدقيق في المقترحات، لكن جاءت وتوقفت المشاورات، وقبل أسابيع عقد وزير الداخلية اجتماعا مع الأمناء العامين للأحزاب السياسية، لأنه كثر القيل والقال حول تأجيل الانتخابات، وفي الحقيقة إلى حدود الساعة ليس هناك أي مبرر لتأخير الانتخابات، ما زال أكثر من سنة، نتمنى أن تطوي هذه الجائحة رحالها قريبا، لذلك لا يجب أن نبني على فرضيات غير واقعية، لذلك كان الاجتماع مع الأحزاب الممثلة داخل البرلمان وطرحنا منهجية العمل، حول كيفية الاشتغال، هل مثل الفترات السابقة، كانت وزارة الداخلية هي التي تأتي بالمقترحات لمناقشتها، أم ستكون المبادرة من الأحزاب السياسية لتقديم المقترحات ثم مناقشتها، واتفقنا على الطرح الثاني، بتقديم مذكرات تتضمن مقترحات الأحزاب بخصوص التعديلات، ثم عقد اجتماعات أخرى لمناقشة هذه المذكرات، لكن أكيد ستكون نقط خلاف لابد من دراستها للتوصل إلى توافق.

جميع الأحزاب نشرت مذكراتها ما عدا حزب الحركة الشعبية، لماذا هذا التعتيم؟

لسبب بسيط، أو سببين في الحقيقة، السبب الأول نحن نعتبر أنه من باب اللياقة طلب منا تقديم مذكرة لوزارة الداخلية لمناقشتها، أنا لا أفهم كيف تناقش المذكرات خارج الإطار الذي اتفقنا عليه، السبب الثاني، هو أن هناك تهافت على نشر المذكرات، ارتأينا عدم خلق الازدحام مع الآخرين، مع العلم أن مذكرتنا منشورة في موقع الحزب ولكن لم نقم بتسويقها، بطبيعة الحال سيأتي الوقت للدفاع عن آرائنا ومقترحاتنا داخل اللجنة أو خارجها عندما يكون هناك التداول بشأن المقترحات، نحن نحترم العمل المؤسساتي

بهذه المناسبة ما هي أهم المقترحات الواردة في مذكرة الحزب؟

بطبيعة الحال، ليس هناك خلاف بين الأحزاب السياسية كلها حول النقط التي تنصب عليها التعديلات، هناك مسألة نمط الاقتراع، نحن منذ مدة طويلة نطالب بالاقتراع الأحادي الفردي، لكن الآن بعد هذه السنوات كلها التي جربنا فيها نظام اللائحة، لدينا عليها مؤاخذات، لأننا وجدنا أنفسنا بين اللائحة والفردي، لم نأخذ بنظام اللائحة بمقوماتها الكاملة ولم نبق في النمط الفردي، وصلنا إلى الوسط وبقينا هناك، لكن ما دام الناس تعودوا على هذا النظام قلنا ليس هناك مشكل، ممكن أن نستمر في العمل بهذا النظام، ولكن بشروط.

وفي ما يتعلق بإعادة النظر في القاسم الانتخابي، فكرنا طويلا، بعد مطالبة بعض الأحزاب بفرض التصويت الإجباري، وفي مناقشتنا وجدنا أن التصويت الإجباري ليس دستوريا، لأنه يحرم المواطنين من حق الاختيار، ثم يمكن أن تكون له نتائج عكسية، إذا فرضت على الناس إجبارية التصويت، نحن نقترح، بما أن التسجيل إجباري يمكن اعتبار كل من سجل نفسه في اللوائح الانتخابية لديه رغبة المساهمة في العملية الانتخابية، وقلنا كما هو معمول به في بعض الدول، عندما تحصر اللوائح الانتخابية يمكن معرفة القاسم الانتخابي انطلاقا من عدد المسجلين في اللوائح، وليس في انتظار التصويت، لتحديد القاسم بناء على أوراق التصويت الصحيحة.

كذلك هناك نقاش حول العتبة، نحن نقول إنه كيفما كانت العتبة سواء ثلاثة أو ستة في المائة، لكي تكون عندها جدوى يجب أن تكون على الصعيد الوطني، وبالتالي فإن الحزب الذي لا يحصل على العتبة وطنيا لا يمكن احتساب المقاعد التي يحصل عليها محلياً، وهذا سيقلص من عدد الأحزاب الممثلة بالمؤسسات المنتخبة، وبما أن هذا المطلب لم يحظ بالقبول في الماضي، قلنا طيب، المهم في العملية التي اقترحنا بخصوص العامل الانتخابي، حتى الأحزاب التي لم تحصل على العتبة يجب احتساب الأصوات التي حصلت عليها في احتساب القاسم، كما نقترح الإبقاء على العتبة في ثلاثة في المائة في البرلمان، وستة في المائة في الجماعات للحفاظ على استقرار الأغلبيات.

هناك مسألة أخرى طرحت، هي يوم لاقتراع، الكل يرفض جعل الاقتراع يوم الجمعة، لأنه يتزامن مع عطلة نهاية الأسبوع، والعديد من المواطنين يعتبرونه يوم عطلة ولا يتوجهون إلى صناديق الاقتراع للتصويت.

كذلك قضية استعمال الرموز الوطنية، لا يعقل منع هذه الرموز، لأن الناخبين والمرشحين هم مغاربة سواء في الانتخابات أو خارج الانتخابات، ولذلك لا يعقل أن نقول لهم في الانتخابات لا يمكن استعمال النشيد الوطني أو العلم الوطني، هذا ليس له معنى.

ثم كذلك، اللوائح الوطنية، هناك مشكلان مطروحان، هناك المشكل الفلسفي العميق، لأنه عندما وضعت هذه اللوائح لم يكن هدفها لتبقى على الدوام، كانت حلا مؤقتا لتشجيع النساء والشباب على المشاركة السياسية، لكن للأسف لم تصل إلى تحقيق هذه النتيجة، ومن الضروري وضع حد لها في يوم من الأيام، ومادامت هذه اللوائح ستبقى حاليا، اقترحنا اعتماد لوائح جهوية لكي يشارك ويساهم المرشحون ضمن هذه اللوائح في الحملات الانتخابية وتكريس سياسة القرب بين المرشح والناخب، لأنها عندما تكون وطنية لا تشجع على ذلك.

هناك أحزاب اقترحت تنظيم جميع الاستحقاقات الانتخابية في يوم واحد، ما هو موقفكم من هذا المقترح؟

فعلا طلبنا نحن كذلك تنظيم جميع الاستحقاقات الانتخابية في يوم واحد، ولكن تركنا لوزارة الداخلية صلاحيات دراسة الجوانب التقنية والقانونية، هل ستكون ورقة واحدة تتضمن ست خانات، أم ثلاث أوراق منفصلة، واحدة تتعلق بالانتخابات التشريعية لمجلس النواب، وورقة الانتخابات الجهوية، وورقة الانتخابات الجماعية.

وماذا عن تعديل القوانين الانتخابية، هل سيتم تنظيم الانتخابات بالقوانين المعمول بها حاليا؟

من الضروري تعديل القوانين، لأن كل التعديلات المقترحة سابقا، تفترض تعديل القوانين الحالية، نحن كانت لدينا فكرة أخرى، لكن الوقت وظروف الجائحة لا تسمح بذلك، الفكرة هي أنه في بداية السنة الحالية، قلنا لا تزال سنتين على موعد الانتخابات، واقترحنا وضع جميع القوانين فوق الطاولة من أجل تعديلها، سواء القوانين الانتخابية أو تلك المتعلقة بالجهات والجماعات والبرلمان، للخروج بقوانين ربما تسمح بمحاربة عدد من الظواهر التي تفسد العملية الانتخابية، من قبيل استعمال المال الحرام، وتعدد المناصب الانتخابية، لكن من الصعب فتح هذا الورش الكبير في ظل الوضعية الراهنة، لذلك اقتصرنا على تعديل بعض المقتضيات الأساسية في القوانين الانتخابية، بالطبع يمكن مراجعة قانون الأحزاب، لتسهيل الترشيح المشترك أو لعقد تحالفات قبلية لكن لم يفتح هذا الورش.

تحدثت عن مقترح منع تعدد المناصب الانتخابية، هذا الموضوع أثار الكثير من الجدل، خاصة أن هناك منتخبين يراكمون تعويضات مالية كبيرة من الجمع بين المناصب الانتخابية، هل أنتم ضد تعدد التعويضات الانتخابية؟

نحن لسنا ضد التعويضات، ولكن مقترحنا ينطلق من مسألة القدرة على التدبير والجمع بين مهام متعددة، ولذلك نعتبر أن تجربة رؤساء الجهات كانت تجربة إيجابية، بعد منع الجمع بين رئاسة جهة وبين أي منصب انتخابي آخر، سواء رئاسة جماعة أو العضوية بالبرلمان، وبالفعل نحاول أن نعمم هذه التجربة على رئاسة مجالس المدن على الأقل المدن الكبرى، لأن منصب رئيس مجلس مدينة كبرى يفرض على صاحبه أن يكون حاضرا بشكل يومي لمواكبة تدبير الشأن العام، وهناك تجارب العديد من الدول تذهب في هذا السياق، مثلا مدن الدار البيضاء والرباط وفاس وسلا وطنجة وغيرها، لا يمكن أن يكون الرئيس يحمل أكثر من منصب، مثلا أن يكون عمدة مدينة ونائب رئيس الجهة، وبرلمانيا في نفس الوقت، يجب أن يكون متفرغا لمسؤولية رئاسة مجلس الجماعة.

أنت تترأس مجلس جهة فاس مكناس، وتترأس جمعية رؤساء الجهات بالمغرب، بعد أول تجربة للمجالس الجهوية في صيغتها الجديدة، هل أبانت هذه التجربة عن وجود نقائص وثغرات في القانون التنظيمي للجهات؟

في جميع القوانين ليس هناك قانون كامل يتضمن مقتضيات دقيقة، لابد أن تكشف الممارسة بعض النقائص، مثلا الممارسة أثبتت اليوم وجود نقائص في القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، سأعطي مثالا بسيطا يخص تدقيق الاختصاصات الممنوحة للجهات، مثلا القانون ينص على أن التكوين المهني والتشغيل من اختصاص الجهات، لكن لم يحدد ماذا يعني بذلك، هل فقط وضع خريطة مؤسسات التكوين المهني؟، هل بناء هذه المؤسسات؟، هل تكليف مكونين للقيام بالتكوين؟، كذلك وجدنا من اختصاصات الجهات هو جلب الاستثمارات، في نفس الوقت تتكلف الحكومة بهذه الاختصاصات.

هناك مشكل آخر يتعلق بعدم رسم الحدود بين الاختصاصات، إذن المطلوب هو تدقيق هذه الاختصاصات بشكل واضح، نحن نشتغل داخل جمعية رؤساء جهات المغرب على تدقيق عدة مقتضيات في القانون، ووجدنا فعلا أن هناك أمورا تظهر غريبة، مثلا القطاع الفلاحي لا يوجد ضمن الاختصاصات الذاتية ولا ضمن الاختصاصات المشتركة، يوجد في الاختصاصات الممكن نقلها إلى الجهات، لكن الجهات هي مجال ترابي، والأكثر مجالية في تراب الجهات هو الفلاح، لذلك من الصعب القول إن الفلاحة ليست من اختصاص الجهات، كذلك الصحة ليست من اختصاص الجهات، لكن اليوم الواقع يفرض علينا الاشتغال في هذه المجالات رغم عدم التنصيص عليها في القانون، مثلا الجهات تتكلف بتجهيز بعض المراكز الصحية والمستشفيات وشراء سيارات الإسعاف، هذه بعض الأمور التي تبين أنها تتطلب التدقيق، نحن في تنسيق مستمر بين الجمعية ووزارة الداخلية، التي تنبهت بدورها لهذه الأمور.

ننتقل للعمل الحكومي، حزب الحركة الشعبية شارك في الحكومة السابقة والحالية إلى جانب حزب العدالة والتنمية، كيف هي وضعية الأغلبية في ظل المناوشات التي تظهر بين مكوناتها من حين لآخر؟

كنا نقول ومازلنا نقولها، النظام الانتخابي المغربي من الصعب أن يفرز حزبا أغلبيا، لذلك لا بد من التحالفات، لكن يجب أن تكون هذه التحالفات في حدود معقولة، مثلا أن تتشكل الأغلبية من حزبين أو ثلاثة لتكون هناك إمكانية التفاهم على برنامج معين، لكن عندما تكون الأغلبية مشكلة من تحالف يضم خمسة أو ستة أحزاب، فمن الصعب أن يكون هناك انسجام وتفاهم، وهذا يتسبب في ظهور مواقف متباينة في بعض الأحيان، لكن ليس هناك اختلاف كما تتحدث عنه الصحافة والمعارضة، وأود التأكيد على أن الحكومة تشتغل، ليس بالوتيرة والفعالية التي كنا نتمناها، ولكن ليس هناك بديل، لأن المشكل يكمن في غياب آليات تفرز أغلبية قوية ومعارضة قوية.

قلتم، ليس هناك اختلاف، لماذا لم تتوصلوا مثلا إلى اتفاق لتقديم مذكرة مشتركة حول الإصلاحات الانتخابية، وعلى العكس من ذلك قدمت أحزاب المعارضة مذكرة مشتركة؟

بالطبع، كما قلت سابقا، المشكل قانوني، لأن التحالفات الحالية كانت محكومة بهاجس تشكل الحكومة، لذلك نفكر في تعديل قانون الأحزاب، لكي يسمح بتشكيل تحالفات قبلية مبنية على برامج ومشاريع سياسية، لأن التحالف الذي يأتي بعد الانتخابات لا بد أن يكون محكوما بالأرقام وعدد المقاعد، لأن الذي يشكل الحكومة يبحث عن أغلبية عددية، وهذا يخلق تباعد في وجهات النظر والأوليات، مثلا نحن لدينا أولويات أساسية وهي العالم القروي والأمازيغية، ليس من المفروض أن تكون عند باقي الحلفاء الآخرين، هذا يؤكد أن خارج الأمور المتعلقة بالتدبير الحكومي، يكون لكل حزب موقفه من بعض القضايا السياسية أو المجتمعية، وهذا ليس غريب.

أما بخصوص المذكرة حول الانتخابات، أنا لم أطلع على مذكرات كل الأحزاب، ولكن أتصور أنه لن يكون هناك نفس المنظور بخصوص العتبة والقاسم الانتخابي بالنسبة لجميع الأحزاب، رغم أنه يجمعها تحالف داخل الحكومة، إذن هذه التباينات لا يجب أن تؤخذ بأن هناك إخلالا بالتعهدات داخل الحكومة، لا، بالعكس هناك برنامج حكومي وقع عليه إجماع وصوت عليه البرلمان، نحاول تدبيره، خارج ذلك، لكل حزب رؤيته ومنظوره.

لكن نجد أحزابا داخل الحكومة تعارض بعض القرارات الحكومية، وهذا يخلق نوعا من اللبس لدى المواطنين؟

ليس هناك أي حزب من الأغلبية صوت ضد الحكومة، ممكن يكون تعبير عن عدم الرضى على بعض القرارات الحكومية، أو يعلن الحزب عن موقف مخالف، وهذا يدخل في باب حرية التعبير، لكن تكمن الخطورة عندما يكون تصويت حزب من الأغلبية على مشروع جاءت به الحكومة، وهذا لم يحدث.

بالعكس، حدث عندما صوت حزب العدالة والتنمية بالامتناع عن بعض مواد قانون التعليم؟

فعلا، هذا موضوع كان جد معقد لعبت فيه الإيديولوجية دورا كبيرا، لكن تدبيره كان إيجابيا وعقلانيا، اتفقنا على ترك حرية الاختيار لحزب العدالة والتنمية بالتصويت أو عدم التصويت على بعض المواد في القانون لتفادي إحراجه أمام الرأي العام، بعدما تحفظ عليها، وفعلا امتنع عن التصويت على هذه المواد، خلافا لباقي الحلفاء داخل الأغلبية، لكن الحزب صوت على القانون برمته، وهذا هو المهم بالنسبة لنا.

قلت إنه من أولويات الحركة الشعبية العالم القروي والأمازيغية، أين وصل تنزيل ترسيم الأمازيغية على أرض الواقع؟

بالنسبة للترسيم ليس هناك مشكل، ولكن هناك بعض الصعوبات في تفعيل الترسيم، لقد خرجت القوانين التنظيمية، لكن لنكن صرحاء في هذا الباب، المشكل يكمن في مدى قدرة المجتمع ككل للانخراط في هذا التوجه، اليوم القوانين لن تحل المشكل، ممكن إخراج قانون ينص على إجبارية الأمازيغية، لكن إذا لم يواكب التعليم ذلك بصفة قوية، حتى يكون التلاميذ على إلمام باللغة والثقافة الأمازيغية، ويتمكن من قراءتها وفهمها، كذلك إذا لم يكن التعامل اليومي ما بين المواطنين تدخل فيه الأمازيغية، ليس لتأخذ مكانة اللغات الأخرى، ولكن لتأخذ مكانها، فستبقى هذه القوانين على الأوراق فقط.

تفعيل ترسيم الأمازيغية يتطلب بعض الوقت، ونحن في الحركة الشعبية نضالنا مستمر ولن يتوقف، نحن نناضل منذ سنة 1958، ولم يقع الترسيم الدستوري للأمازيغية إلا في سنة 2011، وسيتواصل نضالنا لتأخذ الأمازيغية مكانتها في الحياة العامة، اليوم نرى بعض الأمور الغريبة، هناك بعض الإدارات بذلت مجهودا لكتابة لوحات بحرف تيفيناغ، لكن للأسف تشوبها أخطاء وتفقد في بعض الأحيان معناها.

دائما توجهون انتقادات للحكومة التي تشاركون فيها، بخصوص التأخر في تنزيل ترسيم الأمازيغية، واتهمتم الحكومة السابقة بتهميش الأمازيغية بعد وضعها في ذيل المخطط التشريعي؟

عندما ستكون عندنا الأغلبية داخل الحكومة سنسير بسرعة، أما الآن فنسير بسرعة الآخرين.

عقدتم عدة لقاءات مع جبهة العمل السياسي الأمازيغي، هل ستتوج هذه المفاوضات بترتيب التحاق جماعي بحزب الحركة الشعبية؟

الدفاع عن الأمازيغية بدأ بالنسبة لنا منذ الاستقلال، والحركة الشعبية وضعتها في قوانينها الأساسية، لكن لم تستعملها ورقة سياسية أو انتخابية، لأننا نعتبر الأمازيغية تهم جميع المغاربة وتتعدى حزب أو فئة وحتى الناطقين بالأمازيغية تتعداهم لأنها تهم المغرب ككل، حتى إلى غاية بداية السبعينات تقريبا بدأت بعض المحاولات السياسية العلنية، كما ووجهت آنذاك من طرف العديد من الأحزاب والفعاليات، وتبين أن هناك إشكال يتعلق بالعمل من خارج المؤسسات السياسية، الذي وصل إلى حده، كما قامت الجمعيات بعمل جبار ودفاع مستميث عن الأمازيغية، ولكن وصل بدوره إلى حده، إلى درجة كان التفكير في تأسيس حزب أمازيغي، واحتراما لمقتضيات الدستور لا يمكن تأسيسه على هذا الأساس، ولن يكون له جدوى، لأنه لا يجب عزل الأمازيغية، وهنا بدأ التفكير في قضية الدفاع عن الأمازيغية من داخل المؤسسات، وهناك جمعيات وأفراد اقتنعوا بهذا العمل، وهناك من لم يقتنع، وبقي الحوار مفتوحا، والآن يبدو أن هناك توجها لدى الجميع مفاده أن الدفاع عن الأمازيغية وتسريع تنزيل ترسيمها هو توحيد الجهود من داخل المؤسسات الحزبية، وبالفعل عقدت جبهة الدفاع عن الأمازيغية عدة لقاءات مع بعض الأحزاب التي تهتم بالأمازيغية.

هل جميع الأحزاب تدافع عن الأمازيغية؟

الحمد لله ليس هناك اليوم أي حزب ضد الأمازيغية، هناك فقط اختلاف في ترتيبها ضمن الأولويات، هناك من يعتبرها أولوية الأولويات، وهناك من يضعها في الرتبة الثانية وهناك من يضعها في الرتبة الخامسة وهناك من يضعها في الرتبة الأخيرة، إذن الجبهة ركزت على الأحزاب التي تضع الأمازيغية ضمن أولوياتها، ونحن الآن في نقاش وحوار مستمر معهم، إذا وصلنا لاتفاق وتوافق سيكون الحزب مفتوحا للأفراد والجمعيات التي تريد الالتحاق بالعمل السياسي الحزبي الميداني، ويمكن للجمعيات أن تبقى من خارج الحزب تُمارس دورها، ليس بالضرورة أن تحل نفسها في حال التحاقها بالحركة الشعبية.

هناك أحزاب تتخذ من الأمازيغية ورقة انتخابية فقط، هل بدأتم تشعرون بنوع من المنافسة بعدما ظل هذا الملف محتكرا من طرف حزبكم؟

على العكس من ذلك، هذا لا نرفضه، نرحب به، حتى الذين كانوا يحاربون الأمازيغية في الماضي أو ما زالوا يحاربونها بطرق أخرى، أصبحوا يعبرون على الأقل علانية عن المساندة، ولكن لكل واحد قناعته، كما قلت منذ عقود رفضنا الركوب على القضية الأمازيغية واستغلالها كورقة سياسية أو انتخابية، والآن المغاربة يعرفون من يدافع عن الأمازيغية فعلا ومن يستغلها انتخابيا، نحن نمارس ذلك عن قناعة منذ سنوات، لأننا انطلقنا من منطلق أن الأمازيغية هي مكون أساسي من الهوية المغربية، ولا يمكن تصور المغرب بدون هذا المكون، لذلك واجهنا القومية العربية في أوج قوتها، التي كانت تريد الاكتساح، كنا نقول نحن مغاربة عرب مسلمون أفارقة أمازيغ، ولكن لا يمكن اعتبار المغربي والسوري أو المغربي والعراقي من نفس النمط، لأن المغربي يمتاز بتكوين عربي إسلامي أمازيغي إفريقي هو الذي يجعله مختلف، وبالتالي لا يمكن تكسير هذا الخليط

مع إعلان وزير الداخلية عن تنظيم الانتخابات، خلال السنة المقبلة، بدأت تظهر بعض التقاطبات بين الأحزاب السياسية، أين سيتموقع حزب الحركة الشعبية؟

حزب الحركة الشعبية يتميز بميزة كبيرة، هي أن أفكاره وتوجهاته وقيمه منبثقة من تربة مغربية، حتى في وقت كانت تسيطر فيه الأيديولوجيات العالمية، ووقع انقسام داخل الجسم الحزبي، هذا اشتراكي، وهذا رأسمالي، بقيت أرجل الحركة الشعبية مغروسة في تربة هذا البلد ومازالت ستبقى مغروسة، ولهذا ليس لها مانع أو خط أحمر للتواجد عندما يكون على الأقل التوافق حول جزء كبير مما ندافع عليه، يمكن أن تجد الحزب إلى جانب الاشتراكي ومع الليبرالي، كان سيكون لنا اختيار لو كان القانون يسمح بعقد التحالفات القبلية، سنكون مجبرين على اختيار الحلفاء قبل ظهور نتائج الانتخابات، ولكن مادام هذا غير موجود، سننتظر إلى حين ظهور نتائج الانتخابات لنحدد مع من سنتحالف.

لكن، ما هي الأحزاب الأقرب إليكم لو كان القانون يسمح بالتحالفات القبلية؟

هذا سؤال وجيه، كان سيكون له مدلول قوي لو كانت الأيديولوجيات متباعدة، هناك الاشتراكي الذي يطالب بتأميم الاقتصاد، والليبرالي الذي يطالب بتحرير الاقتصاد، الآن الكل ينتهج سياسة وسطية ليبرالية لينة، من هذا المنطلق، نحن في تحالف مع الاشتراكيين والإسلاميين داخل الحكومة، ليس هناك فرق بين ما يدافعون عنه وما ندافع عنه نحن، هل تتصور أن يكون الحزب الشيوعي سابقا مع الإسلامي ومع الليبرالي في نفس الحكومة، اليوم أصبحت المسألة تتعلق بالبرامج وطريقة التدبير أكثر من المرجعيات والأيديولوجية، ولكن نحن بالفعل أقرب إلى الأحزاب الليبرالية، أو التي تدعي على الأقل أنها ليبرالية، إما من خلال انتمائها إلى المجموعة الليبرالية، أو من خلال ممارساتها وتصرفاتها، مثلا هناك أحزاب لا تنتمي إلى الأممية الليبرالية، ولكن تمارسها في الواقع.

هل تقصد حزب العدالة والتنمية الذي يدعي أنه حزب إسلامي؟

بالفعل، حتى حزب العدالة والتنمية هو حزب ليبرالي، وتؤكد ذلك ممارسته، سواء من خلال برامجه، أو من خلال العمل الحكومي، ومن خلال تدبيره للشأن العام، وهذا هو الأساس.

برزت خلافات داخل حزب الحركة الشعبية منذ مؤتمره الأخير، كيف هي الوضعية الصحية للحزب مع اقتراب موعد الانتخابات؟

خلافا تماما لما يكتب في الاعلام، وما يروج له بعض الأفراد ليس لهم مكانة قوية داخل الحزب، نعتبر النقاشات التي يعرفها الحزب صحية وطبيعية، لأنه إذا صمت الجميع، يعني ذلك أننا نغلق باب حرية التعبير داخل الحزب، تكمن الخطورة إذا كانوا قياديين بارزين ومناضلين لهم تأثير داخل الحزب، بينهم خلافات، وهذا غير موجود، الأجهزة تشتغل بطريقة عادية، حتى خلال فترة الجائحة، استمرت الاجتماعات ما عدا المجلس الوطني لم ينعقد، لا يمكن جمع 600 شخص، وكذلك هناك اشتغال على مستوى اللجن الوظيفية.

كيف تستعدون للانتخابات المقبلة؟

نحن نشتغل الآن، في حدود ما تسمح به الظروف، لدينا اتصالات مع المناضلين على مستوى الأقاليم، ونشتغل على المستوى المركزي لدراسة الخريطة السياسية وفق المعطيات المتوفرة، وننتظر حلول شهر أكتوبر لمواصلة العمل الميداني، نتمنى أن تنقشع هذه الجائحة، للقيام بزيارات ميدانية للأقاليم للاطلاع على التحضيرات، وتحديد مكامن النقص والقوة.

حزب الحركة الشعبية فقد الكثير من الأعيان والمنتخبين الكبار بعد تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، الآن العديد منهم يرغبون في العودة إلى أحزابهم الأصلية، هل توصلتم بطلبات في هذا الصدد؟

صحيح، لدينا اتصال بالعديد من البرلمانيين والمنتخبين، نرحب بهم بالعودة للحزب، لأننا نعرف أن العديد منهم غادروا الحزب بدون إرادتهم، كان جو معين في تلك الفترة، جعل عددا من الناس التحقوا بذلك الحزب أو أحزاب أخرى، اليوم عبروا عن رغبتهم في العودة ونحن على اتصال بهم.

هل تعتقد أن الحزب سيتقوى بعودة هؤلاء؟

على الأقل سيسترجع الحزب مكانته، لأن حزب الحركة الشعبية منذ الانتخابات الأولى بعد الاستقلال لم يتخلف عن أي فترة انتخابية، وكانت الحركة إلى غاية التسعينات تحتل الرتب الثلاث الأوائل، ماذا وقع بعد ذلك، نحن نؤمن بإمكانية تجميع الأحزاب، وقررنا تجميع الأحزاب الثلاثة المنبثقة عن الحركة الشعبية، وهذا التجميع لا يمكن أن يعطي أكله إلا إذا كان الاقتراع الفردي، لأنه لا يمكن تقديم سوى لائحة واحدة، إذا بقيت الأحزاب الثلاثة ستتقدم بثلاث لوائح وستكون الحظوظ أوفر، نحن ساهمنا في ترشيد المشهد السياسي، ولكن شرط أن تكون الانتخابات بهذه الطريقة، ولكن لا يمكن إعادة تشتيت الحزب، لأننا نؤمن أن الحركة عائلة واحدة مهما كان الثمن سنؤديه ونبقى موحدين

هل تقصد أنكم ضحية نظام الاقتراع باللائحة؟

تماما، نظام الاقتراع باللائحة لم يكن في صالحنا؟

الآن الانتخابات على الأبواب، هل سيحتل الحزب موقعا متقدما في نتائجها؟

نحن نشتغل، وهدفنا تحسين وضعيتنا لنكون ضمن الأوائل إذا لم نكن في الأول، وهذا طموح كل حزب، ليس هناك حزب يخوض الانتخابات دون أن يكون له طموح للفوز بالانتخابات.

لديكم مؤتمر الحزب بعد الانتخابات، وأنت أقدم أمين عام حزب سياسي بالمغرب، وقطعت الوعد سابقا بعدم الترشح لقيادة الحزب، لكن تراجعت، هل حان وقت تقاعدك من كرسي الزعامة؟

الوعد قطعته مرتين، وهذه المرة الثالثة، وستكون الأخيرة، فعلا أعتقد أن المواطنين يعرفون الأسباب التي دفعتني للعودة لقيادة الحزب، في ظروف مؤتمر 2018، كانت نيتي مغادرة الأمانة العامة، لكن الإخوان كانت لهم وجهة نظر أخرى، بكون الظرفية لم تكن مناسبة للمغادرة، واضطررت مجبرا على البقاء، وفي المؤتمر المقبل الذي سينعقد في سنة 2022، لن أترشح مرة أخرى للأمانة العامة، لأنه يتوفر على عدد كبير من الطاقات القادرة على قيادة الحزب، نتمنى لهم التوفيق

[ + ]