ليس للمزايدات وإنما دحضا لها

محمد أوزين

عند بداية الوباء رفعنا شعار “لا للتهويل ولا للتهوين”، وهو الحس نفسه الذي وجب استحضاره في التعامل مع مسودة مشروع القانون 22.20. أقول مسودة (بمعنى باقا غير وَسَخ وهو التعريف اللغوي للكلمة) ولم ترق بعد إلى مشروع قانون نظيف، بمعنى مشروع قانون كامل للإحالة على البرلمان. والدليل هو تشكيل لجنة تقنية ترفع ملاحظاتها إلى لجنة وزارية للاشتغال على “التعديلات”. لكن هنا وجب الانتباه: اللجان الوزارية تشكل عندما يطرح مشكل غياب أرضية للتوافق، أو تجويد النص على ضوء الملاحظات المثارة، أو غياب رؤية واضحة تحتاج إلى تعميق النقاش. فأيهما شرط عجل بتشكيل اللجنتين؟ سيقول قائل الأمر لا يتعلق بمسودة، وقد تمت المصادقة. جميل. وهل يستقيم أن نصادق على مشروع من هذا الحجم، ثم نقيد المصادقة بالإحالة على اللجنة التقنية، وعرضه فيما بعد على اللجنة الوزارية. وهي المسطرة التي وجب اعتمادها قبل المصادقة.

الغريب في الأمر أننا لم نسمع عن هذه المسودة لا من الحكومة ولا من وزرائنا أعضاء الحكومة، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أن تاريخ عرض مسودة مشروع القانون يعود إلى 19 مارس الماضي.

مزيان! ولكن أنا كبرلماني محرج اليوم، كيف أدين أو أرفض بمعية زملائي مسودة مشروع قانون لم نتوصل بها مؤسساتيا ونحن المعنيون بها دستوريا؟ بمعنى نحن من سيضفون عليها قوتها القانونية، وهي ليست بين أيدينا بعد.

كيف أدين مسودة كل ما بلغني عنها هو تسريب لوثيقة غائبة شكلا ومضمونا وظرفا وسياقا؟ كيف أدين مسودة لم تحظ حتى بنقاش ساخن في المجلس الحكومي رغم طابعها المجتمعي؟ كيف أدين مسودة تنكرت لها الحكومة وأصبحت جمرة تتقاذفها بلاغات أحزابها؟

لن أدين ولستم في حاجة للإدانة، لأن الحكومة أعفتنا من ذلك وأدانت نفسها بنفسها. خرجاتها المرتبكة والمتناقضة والمتكتمة أماطت اللثام عن وضع حكومي هش، وعن حس سياسي غائب، وعن تقدير ظرفي خاطئ.

قد نتفق وقد نختلف، لكن ما لا يمكن أن نختلف حوله هو كوننا شركاء في المجتمع، شركاء في القرار. وعوض التسريب الذي حمل في طياته الكثير من الرسائل، كان حريا بالحكومة اعتماد النشر الاستباقي عبر القنوات الرسمية كما هو الشأن في كل المبادرات التشريعية ذات الصبغة المجتمعية.

اصطلاحا، “مُسْوَدَّةُ التِّلْمِيذِ” ما يكتبه بقصد المراجعة وإعادة التصحيح. ماءٌ مَسْوَدَةُ: إِذا أَصاب شاربهَ مرض السُّوادِ. المُسَوَّدَةُ: الصحيفةُ أو الصحائف تكتب أولَ كتابةٍ ثم تُنقَّح وتُحرَّر وتُبيَّض. كمل جاء في كتاب الإمام السيوطي “تبييض الصحيفة بمناقب ابي حنيفة”، وفي كتاب شيخ الحديث محمد عمرو عبد اللطيف “تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة” حيث يقول: “وجعلت شرطي في هذا الكتاب أن يصح السند إلى القائل الحقيقي للحديث غير الصحيح، سواء أكان ضعيفا أو واهيا أو لم يوقف له على أصل البتة”. رحم الله الإمامين.

[ + ]