20 سنة من عهد جلالة الملك محمد السادس

بقلم/ السيد محند العنصر ( الأمين العام للحركة الشعبية)

هل هي عشرون فقط؟ و هل ذلك ممكن في ظرف عشرين سنة؟ أليس ثمة خطأ في تقدير الزمان و تحديد البلد؟

هي أسئلة يطرحها وسيظل يطرحها زوار المغرب الذين غابوا عنه خلال عدة سنوات. وهل هنالك في الواقع قاسم مشترك بين المغرب في بداية القرن الواحد والعشرين و المغرب اليوم؟

المدن زادت رونقا وجمالية وتعرف تحولات عميقة يوما بعد يوم، المراكز والمساحات التجارية الكبرى تنتشر في كل مكان، والمساكن تشيد بالآلاف على امتداد التراب المغربي، والطرق السيارة تتضاعف، والقطارات ومحطاتها تتعصرن، والموانئ والمطارات تتطور. هذا  دون الحديث عن محطات ومركبات الطاقة الشمسية والريحية، القطارات فائقة السرعة، صناعة السيارات وميناء طنجة المتوسطي، هذه المنشآت التي تعتبر حلقة عقد ورش كبير للتحديث في شموليته.

لكن، بالنسبة للملاحظ المتنبه للتحولات التي يعرفها المغرب، لا يقف عند حدود المنجزات المادية الملموسة ، حتى وإن كانت وحدها تكفي وحدها للافتخار بالمجد المحقق في مغرب جلالة الملك محمد السادس، لكنه يقف أيضا بإعجاب أمام المزيد من طفرات التقدم المؤسساتية ، سواء تعلق الأمر بنمط الحكامة أو بحرية التعبير،أو الرعاية الاجتماعية للفئات التي تعاني من الضعف والعوز، أو ضمان الحقوق الإنسانية، خاصة حقوق المرأة أو الارتقاء بالعدالة إلى درجة سلطة مستقلة.

ومن أجل تفادي كل تراجع أو انتكاس إلى الوراء،تم التنصيص على طفرات التقدم  هاته ونحتها في مرمر وثيقة دستورية جد متقدمة ، خطوطها العريضة وتوجهاتها  مستوحاة من فكر جلالة الملك  شخصيا. فجلالته هو الذي اتخذ المبادرة طواعية لتعريف  وتحديد صلاحيات المؤسسة الملكية، وجلالته  هو من اقترح توسيع اختصاصات الوزير الأول، الذي أصبح رئيسا للحكومة. فهذه الوثيقة الدستورية العصرية تضاهي مثيلاتها في البلدان العريقة في الديمقراطية، خاصة في مجال ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبهدف تأكيد توجه المملكة المغربية  لترسيخ دولة الحق والقانون و الديمقراطية بصفة لارجعة فيها، تم التنصيص على الخيار الديمقراطي كرابع ثابت من الثوابت الموحدة، إلى جانب  الدين الإسلامي المعتدل، الملكية الدستورية  والوحدة الوطنية بروافدها المتعددة. ولمزيد من دعم للخيار الديمقراطي، نصص الدستور بوضوح على “لا تمركز التنظيم الترابي للمغرب على أساس الجهوية المتقدمة”.

تلك بعض تمظهرات التجديدات الدستورية المجسدة للرؤية الاستشرافية لجلالة الملك وتشبثه بمؤسسات الوطن وحبه لشعبه الذي يحرص جلالته على إشراكه في تدبير الشأن العام.

إن الإنجازات المتعددة لجلالة الملك لا تقف عند حدود الأبعاد الملموسة الظاهرة للعيان أو مثيلاتها الدستورية والتي تكتسي أهمية كبرى، بل يحضر كذلك البعد الإنساني لحصيلة جلالته، والذي تجلى بوضوح منذ الأيام الأولى لتوليه سدة الملك، إذ كانت التفاتاته الكريمة إزاء الفقراء والمعوزين وراء تلقيبه عن استحقاق ب”ملك الفقراء”. وتكفي معاينة كيف يذوب جلالة الملك بين صفوف الجماهير الشعبية التي تهب عن بكرة أبيها لتحية جلالته خلال تنقلاته وجولاته، وهو الأمر الذي يبرهن على الحب السرمدي القليل النظير الذي يكنه له شعبه.

نتاج هذه الوشائج المقدسة بين الشعب والملك، تجلى في إطلاق جلالة الملك لأوراش العهد الجديد التي استهدفت على وجه الخصوص الفئات الأكثر هشاشة. وفي هذا السياق، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، ورش الجهوية المتقدمة، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي تعتبر نموذجا تنمويا تتوق بلدان ومؤسسات جهوية ودولية إلى الاقتداء به واعتماده. كما نستحضر عملية”مليون محفظة” وغيرها من أشكال دعم الشرائح ذات الدخل الضعيف: دعم التمدرس، الأرامل، العاطلين  وغيرهم..

ختاما، لا مجال للادعاء بالإحاطة الشاملة بالحصيلة،لأن إنجازات جلالة الملك محمد السادس، فقط خلال عشرين سنة ، كانت ريادية وذات أثر ملموس. ولا يمكننا أيضا إلا استحضار تشبثه بالدفاع عن حقوق الإنسان . أوليس جلالته هو من سمح للمعارض أبراهام السرفاتي بالعودة إلى البلاد؟ أوليس جلالته هو من كان وراء رفع الإقامة الإجبارية عن مؤسس العدل والإحسان الشيخ ياسين؟ أوليس جلالته هو من عمل على طي صفحة السنوات القاتمة وعمل على تعويض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان؟ أوليس جلالته من أعاد فتح بوابة الاتحاد الإفريقي واستعاد المكان الطبيعي للمغرب في حظيرة مؤسسات أسرته الإفريقية؟ تلك الأسرة التي لم يغادر المغرب حضنها، والتي كانت لها حظوة في قلب جلالة الملك ، تشهد على ذلك عشرات الزيارات التي قام بها لبلدان القارة السمراء. كما كان للمبادرات الدبلوماسية العديدة لجلالة الملك على الساحة العربية والدولية دور في تبوئ المغرب مكانة لا محيد عنها في السياسة الدولية .

إنها مجرد استحضارات مقتضبة للجهود الكبيرة المبذولة من طرف جلالة الملك محمد السادس لصالح شعبه ووطنه. وبالتالي فإن تخليد الذكرى العشرين لتوليه نصره الله العرش، هو عرفان واعتراف بعمل جلالته خلال هذه الفترة التي ليست سوى لحظة في حياة الأمم.

[ + ]